كما هي : خياران حياة الحويك عطية ........الدستور
من تقاليد المشّائين اولئك الذين علّموا الفكر والفلسفة وهم يتحركون مع مريديهم ، حتى اذا اختار احدهم الرواق مكانا للحركة سمي بزينون الرواقي ، وسميت فلسفته كلها باسم الرواقية ، ام من تقاليد الترحل التي لا تذكر في الخيال العربي الا مقرونة بابن بطوطة رغم ان وراءه الكثيرين... ربما من السلالة الثانية خرج هذا الرجل الطريف ، عدنان عزام.
عندما وردتني بطاقة الدعوة لحضور فيلمه وحفل تقليده وساما فرنسيا رفيعا في قاعة كليمنصو في مجلس الشيوخ الفرنسي ، حاولت ان اتذكر من اين اعرف اسمه جيدا ، وعندما رأيته عدت سنوات الى الوراء ، وامامي ذاك الشاب السوري الذي قرر يومها الانطلاق من السويداء على ظهر حصان للقيام بجولة حول العالم ، وعندما مر بنا في عمان استقبله الحسين رحمه الله ، واحتفت به الصحافة. جال العالم بقاراته الخمس ، والتقى كل انواع البشر وكل طبقاتهم ، واخيرا استقر به المقام في فرنسا ، لماذا ؟ لا ادري ، ربما يكون حب امرأة اصبحت زوجته وام ولديه ، وربما يكون حب الهجرة الذي حمل ستة ملايين مثله الى هنا.
المهم الان بعد ثلاثين سنة ، يشغل عزام موقع الامين العام للاتحاد من اجل المساواة في الفرص ، وهو الشعار الذي كان قد اطلقه من خلال جمعية اسسها لهذا الغرض ، قبل ان تتبناه الدولة شعارا وطنيا رسميا. ومن جديد شدّه هوس الترحل ، لكن هذه المرة بطريقة اخرى : على قدميه ومعه مجموعة صغيرة من جمعيته :"فرنسا التي تمشي" مسيرة من مرسيليا الى باريس ، ومسيرة من ستراسبورغ الى باريس . مئات الساعات ولقاءات عبر الطريق وفي كل محطة بمواطنين وبمسؤولين من مختلف الدرجات والفئات ، وكاميرا تتابع وتسجل اراءهم في قضية المساواة في الفرص ، وكله تحت الشعار الذي يشكل ملخص منظومة القيم الجمهورية لبلاد الثورة الفرنسية : الحرية والعدالة والاخاء. وعلى وقع موسيقى تنتقل من توفيق زياد و "مرفوع القامة امشي" الى اغان شعبية فرنسية الى موسيقى فولكلورية من كلتا الثقافتين.
عرض الفيلم كلمة السيدة حليمة بومدين ، عضو مجلس الشيوخ ، وكلمة زميلها داسو ، وكلمة برنار باجوليه الذي عرفناه سفيرا في عمان وفي دمشق ، ويشغل الان مدير دائرة الاستعلامات في الرئاسة الفرنسية ، اضافة الى كلمات عزام ، كلها جاءت تؤكد ما تعنيه هذه القيم في السياق التطبيقي ، سواء بالنسبة للافراد ام للمجموعات ام للقضايا.
فرنسا هي بالطبع ، الحاضر الاكبر في قاعة كليمنصو في مجلس شيوخها ، ولكن بصورتها التي يجب ان تكون عليها: منظومة قيم لا يشكل الحياد عنها الا فقدان هذه البلاد لما تفخر به وتسميه "الاستثناء الفرنسي". غير ان ثمة حضورا مهما ايضا ، يمتد من فخر السيدة بومدين بانها سيناتور من اصل عربي ، وذهاب هذه السيدة الجميلة البساطة ، الى ما هو ابعد واعمق من المساواة في الفرص ، الى المساواة في الحقوق ، هذه المساواة الجوهرية القائمة على احترام الحق لا على منح الفرصة ، والتي تنفذ منها بومدين من حقوق الافراد في فرنسا وغيرها الى حقوق الشعوب ، لتصل الى غزة. وينتقل الحضور - حضور الحقوق وغزة - الى حضور ثان في كلمة المحتفى به: سوريا والثقافة العربية واصالتها ، ومدينة السويداء ، السويداء التي شكلت باحة رحبة استقبلت الجنرال ديغول صديقا في منزل ابي عدنان نفسه ، دون ان يمنعها ذلك من ان تشكل جزءا اساسا من المقاومة السورية لفرنسا الاستعمار ، ومن ثم تصبح - ككل العرب - صديقا قريبا لفرنسا المتحررة منه ، وها هي تمد من جديد بيد احد ابنائها جسر تواصل وحوار بين عالمين وضفتين ، تفرض عليهما الجغرافيا تاريخيا خيارين: اما الحرب والخصومة واما التعاون والصداقة ، لكنها اذ تترك لهما الخيار لا تترك لهما ابدا امكانية التجاهل.
date : 20-02-2009
|